ساسي سالم الحاج

174

نقد الخطاب الاستشراقي

- التي خانت مواثيقها مع المسلمين ، ونكلت عن عهودها معهم - بحليفهم وهو « سعد بن معاذ » يدل على حسّ سياسي في غاية من السمو والرقي ولا يدل على الضعف والخوار . ولو اتخذ الرسول مثل هذه القرارات من تلقاء نفسه ، لوجد حلفاء بني قريظة عليه ، ولآلمتهم هذه الإجراءات القاسية التي اتخذت ضد حلفائهم الطبيعيين . ولكان في النفس منها شيء كثير . ولكن اتخاذ الإجراءات الدالة على حسن السياسة والتصرّف ، والتي تأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة بالوقائع المطروحة في إطار زمانها ومكانها يدل على الحصافة السياسية والذكاء الخارق لا على خلافها كما ذهب المستشرقون إلى ذلك . تحدث المستشرقون عن مكانة الرسول العسكرية بعد حديثهم عن مكانته السياسية في المرحلة المبكرة من هجرته إلى المدينة . ويرون أن بيعة العقبة الثانية التي أبرمها الرسول مع وفد يثرب قبل هجرته إليهم والتي وصفها ابن إسحاق بأنها كانت « بيعة الحرب » « 1 » لا تتحدث إلا عن العمل الدفاعي ، ولا تتحدث عن عمليات هجومية ، كما لم تحدد القيادة كذلك « 2 » . وهكذا انتظر محمد قليلا ليتألف قلوب الأنصار ويقنعهم بالقيام بعمليات هجومية ضد أعدائه القرشيين . وبعد أن استقرّ هو وأصحابه بالمدينة ، وبعد أن نظموا طريقة حياتهم ، وجلبوا أسرهم من مسقط رأسهم ، وبعد أن تآخوا مع أهل المدينة ، فكّر الرسول في القيام بعمليات عسكرية ، وهكذا بعد الشهر السابع من وصوله إلى المدينة أرسل عمّه حمزة في حملة عسكرية قوامها ثلاثون مهاجرا لمباغتة قافلة تجارية قرشية كانت عائدة من سوريا تحت قيادة أبي جهل . وكانت تضم نحو ثلاثمائة قرشي وبوغتت القافلة في أراضي جهينة . ولمّا كان رئيس تلك القبيلة حليفا للطرفين فقد تدخّل لفض الهجوم سلميّا . وهكذا انسحب حمزة إلى المدينة واستمرّ أبو جهل في طريقه إلى مكة « 3 » .

--> ( 1 ) المرجع السابق ، الجزء الأول ، ص 454 . ( 2 ) أ - مونتجمري وات ، محمد في المدينة ، المرجع السابق ، ص 351 . ب - Muir , Life of Mahomet , op . cit , p . 64 . ( 3 ) Ibid , op . cit , p . 65 . استند موير في وصف هذه الحملة إلى الواقدي ، ص 207 ، الطبري ، ص 225 ، وسيرة ابن هشام ص 207 وذلك طبقا لما ورد في هامش صفحة كتابه رقم ( 65 ) .